محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

536

شرح حكمة الاشراق

للوصول إليه . وإلّا فلو استحكم طريقتهم مقتصرا على البحث وغير محبّ لنوره ، لا يكون من أهل هذا الكتاب . وقبل الشّروع ، في قراءة هذا الكتاب وفهم معانيه ، بعد استحكامه الحكمتين العلميّة والعمليّة ، يرتاض أربعين يوما ، تاركا للحوم الحيوانات ، مقّللا للطعام ، منقطعا إلى التّأمّل لنور اللّه ، عزّ وجلّ ، وعلى ما يأمره قيّم الكتاب ، أي : الواقف على أسرار حكمة الإشراق على ما يجب . فإذا بلغ الكتاب أجله . أي : فإذا انقضت الرّياضة الأربعينيّة . وكيفيّتها أن يقطع ، أوّلا ، العلائق والعوائق الخارجة بالكلّيّة ، حتّى لا يبقى له همّة إلّا في خلوته ، بعد أن ينقّى بدنه من الأخلاط الزّائدة إن كانت . ثمّ يقعد في بيت صغير مظلم بعيد عن أصوات النّاس ومشاغلهم ، ويصوم ، ويفطر بعد صلاة المغرب بغذاء ، قليل الكميّة كثير الكيفيّة ، من الخبز النّقىّ والمزّورات المعمولة من الحبوب الجيّدة والبقول الموافقة والتّوابل اللّائقة بدهن لوز أو جوز أو شيرج ونحو ذلك . وينقص كلّ ليلة ، من وظيفته لقمة خبز وملعقة طبيخ ، ولا يخلّى رأسه وبدنه من الإدّهان بالأدهان الطّيّبة ، ولا خلوته من الرّوائح الذّكيّة . ويشتغل ، ليلا ونهارا ، بذكر اللّه والقدّيسين من ملائكته ورؤساء حضرته ، باللّسان والقلب ، معرضا عن البدن وما فيه . ويحسب نفسه كأنّها فارقت الأقطار والجهات والأزمان والأوقات معلّقة مجرّدة مفارقة مخلصة زمانا طويلا . فإنّها لو دامت هكذا ، فسياتيها برق ، وهو نور فائض على النّفس من العقل لذيذ ، يمرّ كالبرق الخاطف ، على ما تقدّم ، ثمّ خرق ، وهو نور يخرق الأجسام ، ثمّ طمس ، وهو عدم شعور النّفس بما سوى محبوبها الأصلىّ الّذى هو آخر المراتب . فله الخوض فيه . وسيعلم الباحث فيه أنّه قد فات المتقدّمين والمتأخّرين ، من الحكماء ، ما يسّر اللّه على لساني منه ، من هذا الكتاب . وإنّما يعرف صحّة هذه الدّعوى من استحكم طريقة المشّائين واشتغل بالتّجرّد والرّياضة والحكمة على طريقة الإشراقيّين ؛ ولأنّ المكاشفة ، على ما قال بعضهم ، قسمان : أحدهما معاينة